آخر الأخبار
الرئيسية » أخطر أسرار عدوان 56

أخطر أسرار عدوان 56

رحلة غامضة بأمر عبد الناصرمصطفى أمين

نظرة على هذه اللحظة التاريخية بعد 60 عاما تفضى إلى نتيجة غير قابلة للجدل؛ مفادها أن العالم قبل حرب السويس فى 1956 غيره بعدها، والحق أن المقدمات التى قادت إلى ذروة الأزمة بداية من رفض طلب مصر بتمويل أمريكا والبنك الدولى لمشروع السد العالي، ثم تأميم القناة، فالعدوان الثلاثي، ثم اندحاره، والنصر السياسى الذى أحرزته مصر، وكان للموقف الأمريكى والإنذار الروسى دورهما فضلاً عن إرهاصات أخرى دشنت معالم نظام دولى جديد.
لا مصر قبل العدوان هى مصر فى أعقابه.
لا المنطقة العربية والتوازنات الإقليمية ظلت على حالها.
لا العالم الذى شهد الأزمة، بقى هو نفسه بعد تجاوزها..
باختصار طغت أصداء ما حدث فى مصر على المشهد الدولى وصياغة أدوار الفاعلين الجدد، وغروب شمس القوى التى سادت لقرون، وكانت صاحبة الحل والعقد فى كل شأن دولي.
فى العالم الثالث – أيضا- كانت ملامح جديدة تتشكل، فى لحظة فرز حاسمة، وكانت مقاومة مصر ملهمة لكل الطامحين إلى الحرية، والانعتاق من سطوة الاستعمار.
بدأت شعوب عانت من الاستعمار طويلا التحرك صوب الإمساك بمقاليد أمورها، وصناعة مستقبلها بأيدى أبنائها، بالمقابل خرجت انجلترا وفرنسا كأكبر قوتين استعماريتين من عِداد القوى الكبرى إلى كونهما تابعتين لسيد الغرب الجديد أمريكا.
وعزز الانتصار السياسى لنظام ثورة يوليو فى أزمة السويس، دور مصر فى صياغة وجه العالم من خلال دورها فى قيادة حركة التحرر الوطنى عربيا وأفريقيا، وكان إسهامها فى قيادة حركة عدم الانحياز- أيضا- دعما لدورها التاريخى خلال هذه الحقبة المشحونة المتأججة بعوامل الصراع، وعناصره القديمة المتجددة التى لم تخرج فى إطارها العام عن حركة التاريخ -منذ بدء الخليقة – بين القوى المتجبرة، فى مواجهة المتمسكين بالحق المشروع فى العيش الكريم وتقرير المصير والتطلع للمستقبل.
• • •
عبر شهور الأزمة التى كانت ذروتها خروج مؤامرة العدوان إلى طور التنفيذ أثبتت مصر، – ونظامها الثورى – الجدارة بريادتها ومكانتها، والأحقية فى ممارسة دورها التاريخى فى مواجهة القوى الساعية لكسر إرادتها، وفرص أطماعها، ولم يكن عدوان 56 إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة من المعارك التى تهدف إلى سلب مصر حقها فى الاستقلال السياسى والاقتصادي.
عهد جديد، واقع مختلف، مشهد يحمل ملامح مغايرة هكذا كان الحال بعد 1956.
وعلى صعوبة وتعقيدات الجانب العسكرى للأزمة، فإن التحديات على الأصعدة الأخرى لم تكن أقل خطورة، لاسيما ما كان يحدث فى الكواليس وتحديداً فى الغرف المغلقة التى كان من المفترض أن من يتحركون داخلها محسوبين على العرب والعروبة، وبحكم ذلك كان لابد أن تكون مواقفهم داعمة لمصر، وإن اختلفوا مع نظامها السياسي، أو توجهات الثوار الذين يخوضون معركة هى فى حقيقتها لا تعنى مصر وحدها ولكن كل محيطها، وكل الشعوب التى تشارك المصريين نفس المصير، وذات المعاناة مع الاستعمار والقوى التى لا تؤمن بحق غيرها فى الحرية والكرامة والاستقلال ورفض التبعية.
فى خلفية المشهد، كان ما يدور صعبا وخطيرا، وفوق التصور!
ولم يكن من الحكمة أن يتم الكشف عن الخناجر التى يسن نصالها أشقاء!
ولم يكن من حسن السياسة فضح من يظهرون غير ما يبطنون.
لكن للتاريخ قولا آخر، ومهما حرص هذا الطرف أو ذاك على إخفاء بعض الحقائق فى ضوء حسابات صعبة مركبة، فإن التاريخ لا يستر مثل هذه الأفعال للأبد.
لابد من لحظة كاشفة، ولم يطل الانتظار، فبعد نحو أربعة أعوام خرج الكاتب الكبير مصطفى أمين ليكشف ، أو بدقة أكثر ليفضح بعض ما دار فى الكواليس حتى ان قراءة ما كتبه آنذاك قد تقود إلى تعديل وصف ماجرى من كونه عدوانا ثلاثيا إلى انه كان عدوانا رباعيا، أو ربما متعدد الأطراف فى ضوء وجود طابور خامس كان عمليا فى صف القوى الاستعمارية المعتدية!
الغريب حقا أن هؤلاء كانوا يحكمون شعوبا تعانى من النفوذ الاستعمارى، بل والاحتلال المباشر للأرض ونهب الثروات والخيرات، لكن ربما كانت العمالة متأصلة فى نفوسهم، أو قد يصدق عليهم المثل المعروف «القط يحب خناقه»!
• • •
ولعل تلك الرحلة المحفوفة بمخاطر هائلة التى تصدى لانجازها الكاتب الكبير مصطفى أمين، وكان نتاجها ما تم نشره منذ منتصف نوفمبر وحتى أوائل ديسمبر 1960 فى تسع حلقات بالأخبار وأخبار اليوم، هذه الرحلة تعكس فى جوهرها ما يتجاوز الدور المهنى أو حب المغامرة الصفة التى لازمت مصطفى أمين كصحفى طوال مشواره، فالحقيقة أن المهمة تترجم صورة للمقاومة الإعلامية التى شارك فيها إلى جانب مصطفى أمين، صحفيون وإعلاميون ومبدعون، كل بحسب طاقته وقدرته، وما أتيح له أن يقدم لوطنه فى هذه اللحظة المصيرية، وثمة قصص عدة نتمنى تسليط الضوء عليها إذا سنحت الفرصة فى إصدارات قادمة.
المهم أن مصطفى أمين بدأ فى إماطة اللثام عما دار فى الكواليس إبان أزمة السويس فى غرف عربية مغلقة، لكن المثير أنه لم يكمل ما بدأه، ليظل جانبا مما دار فى عِداد الأسرار التى لم تُكشف أوراقها حتى الآن!
ماذا حدث؟ لماذا توقف النشر؟ من قرر؟ ومن كان وراء الحظر؟ ماهى الدوافع؟ من سمح، ثم حظر؟ هل ذهب السر مع صاحبه للأبد؟ هل يملك آخرون ما كان بحوزة مصطفى أمين؟ متى يتم الإفراج عن تلك الأسرار؟
أسئلة مازالت تتطلع لمن يجيب عنها لاستكمال صفحات مهمة من وقائع تاريخ مصر المعاصر عبر تشابكه مع محيطه العربي.
عــلاء عبـدالوهــاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*